#إعرف_أكثر

أميركا وحلف الناتو في عهد ترامب .. إلى أين ؟

بغداد / IBN

في خِضّم عواصف الحملة الانتخابية الأميركية انتقد دونالد ترامب حلف شمال الأطلسي ووصفه بالمنظمة البالية، واتّهم أعضاء الناتو بعدم الوفاء مُشيراً إلى أنّ بلاده لن تتحمّل عبء حماية بلدان أوروبا من دون تعويض مُناسِب. واقترح ترامب سحب القوات الأميركية ما لم يُدفَع لها بالمقابل، ما جعل التساؤل عن مُستجدّات العلاقة بين الناتو وأميركا في مهبّ التساؤلات وأفرزت تصريحات ترامب هلعاً لدى الاتحاد الأوروبي الرديف للناتو الذي سارعت دوله لأخذ احتياطها بإعادة ترتيب أوراقها الدفاعية للحِفاظ على أمنها بعيداً عن واشنطن. كما وافق الاتحاد على خطّةٍ دفاعيةٍ يُرسل بموجبها قوات للرّد ع السريع إلى الخارج للمرة الأولى إذا اقتضت الحاجة ، ذلك لأن المنظمتين (الناتو والاتحاد الأوروبي) تتوخيان مُقاربة ذات أبعاد مُتكاملة إزاء القضايا الأمنية، والعمل على نحو مُشترك في مجال الدفاع. والجديد هنا أنّ الخطّة التي وضعها وزراء دفاع وخارجية الاتحاد الأوروبي ستُتيح للاتحاد إرسال قوات للسيطرة على أزمة ما من دون الاستعانة بالولايات المتحدة.

الطلاق الأميركي للناتو – في حال حصل- يستحضر استفساراً حول مقدرة دول أوروبا للدفاع عن أمنها، إذ أنّ أغلب التحليلات السياسية والإعلامية تُجمِع على الصعوبة البالغة لانفصال دول الناتو ذات الأغلبية الأوروبية عن أميركا. كذلك الأمر بالنسبة إلى أميركا كما أن مصلحة باقي التنظيمات والأحلاف الدولية لا تسمح بمثل هذا الانفصال كحال الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد على الولايات المتحدة الأميركية في الدعم منذ مشروع مارشال ، ويعتمد على حلف الناتو في الدفاع عن أمنه.

فالارتباط الوثيق بين أميركا والناتو  يستند إلى وجود مصالح أمنية عسكرية استراتيجية المدى بينهما كمنظومة الصواريخ البولندية – التشيكية مثلاً والموجودة للدفاع عن أوروبا وأميركا وحمايتهما من إيران وروسيا، حيث لا ترغب الولايات المتحدة الأميركية بتوسّع الاتحاد الأوروبي بمرافقة روسيا اقتصادياً سوف ينجم عن ذلك دمج اقتصادي وعسكري بينهما لأن روسيا تمتلك الغاز والمصادر المعدنية، والأسواق الجاهزة تماماً لاستيعاب التطوّر الذي ستقدّمه لأوروبا. إضافة إلى ذلك توجد دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا تلتقي مصلحتهما مع مصلحة أميركا في ما يتعلّق بالمصالح المالية (بريطانيا) وأمن العدو الإسرائيلي (فرنسا)، إضافة إلى أنّ القوة العسكرية لدول اتحاد الناتو ذات أثر ضئيل مُقارنة بالأسلحة النووية الأميركية المُرتكزة في أوروبا، لذلك إن تم إخلاء القواعد العسكرية الأميركية من الدول الأوروبية، فإن أميركا ستفقد قُدرتها على التحكّم بالعلاقات الأوروبية – الروسية، حيث أنّ هذه القواعد تمتلك القدرة على استفزاز روسيا.

أضف إلى ذلك أنّ أميركا تعقد ما تشاء من اتفاقيات في أوروبا من أجل مصالحها كالاتفاقيات التي أجرتها مع بولندا وجمهورية التشيك لإقامة أنظمتها الصاروخية النووية على أراضيها، والتي يعلم الجميع أن الهدف منها هو استفزاز روسيا التي سُرعان ما أعلن أوباما عن إلغائها. علاوة على أنّ الولايات المتحدة الأميركية تحتاج وتعتمد على مُساهمات عسكرية كبيرة من حلفائها الأوروبيين في الدفاع عمّا تعتبره مناطق نفوذ ضدّ المُنافسين لها كمنطقة الشرق الأوسط بما في ذلك البلدان العربية، حيث تقوم أميركا باستخدام الناتو ضدّ روسيا وحلفائها الإقليميين والدوليين، وتجلّى ذلك باستخدام الحلف أثناء ضرب ليبيا والمحاولات الفاشلة لفرض حظر جوّي في سوريا.

ولعلّ الإجابة حول إمكانية خروج أميركا من “الناتو” أمرٌ مبالغٌ فيه كثيراً لأن الإدارة الأميركية الجديدة تنتظرها ملفات مُتشابِكة مع وفي سورية والعراق واليمن وما يخصّ الصِراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأنّ عليها التفاوض بشأن هذه الملفات مع المعنيين بها أي مع إيران وسورية و وروسيا؛ الأمر الذي يجعل الساسة الأميركيين يعملون على تعزيز وجودها بحليفها الأساسي حلف الناتو ليُساندها. لكن جنون السياسة الأميركية أحد السيناريوهات الذي قد يدفعها إلى ترك حلف الناتو إذا أرادت أن تُشكّل حلفاً آخر بديلاً، لأن سياساتها قائمة مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً على تحالفات، وهذا ما حصل عندما عمدت إلى تشكيل حشد من دول أوروبا حول احتلال العراق ومُفرزاته.
وقد يتبيّن أن خطاب ترامب أثناء حملته كان بغالبه ترويجاً إعلامياً لا أكثر ولا أقل خصوصاً في ما يتعلّق بتجاوزه لمُرتكزات السياسة الأميركية. وسرعان ما كشف ترامب في 14/11/ 2016 في أول مؤتمر صحافي له منذ إعلان نتائج الانتخابات الأميركية حين اجتمع مع أوباما، وأكّد له اهتمامه الكبير في الحفاظ على علاقات أميركا الاستراتيجية، وإحدى هذه العلاقات هي مع حلف الناتو، مؤكّداً أنه سيلتزم التعاون مع الحلف، لتتواتر بعدها تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ التي هدفت لتفادي نُقاط الصِدام وتصحيحها كزيادة النفقات الدفاعية من قِبَل الحلفاء الأوروبيين. وفي سياق العلاقة مع أميركا قال الأمين العام للناتو: أنه “واثق” من أن دونالد ترامب سيحترم “كل التزامات الولايات المتحدة” حيال الحلف، بعدما ألمح الرئيس الجمهوري المُنتخَب خلال الحملة الانتخابية إلى أنه سيضع شروطاً على استمرار تمويله، وهذا باعتقادي كلُّ ما سيفعله ترامب مستقبلاً، لذلك إن العلم الأميركي باقٍ في ظل الفترة القادمة.