#إعرف_أكثر

مقال تحت عنوان: (الفاعل الأقليمي والدولي وأثرهُ في صياغة المشهد العراقي ).. رؤية أستشرافية

المقال بقلم: غسان أبو رغيف

 

في الوقت الذي كان الترقب سيد المشهد لِما سيئول أليه الحال في شمال العراق ، في خطوة عَدها الكثير كفعل أُريدَ منهُ حرف الأنظار عن الأنتصارات المُبهرة التي حققها ” جيشنا وحشدنا وقواتنا الباسلة في مختلف الصنوف ” ضدَ قوىٰ الإرهاب المدعومة إقليمًا وعالميًا، وما أن اوشكت عاصفة الأنفصال في شمالنا أن تتلاشى ، بأرادة العراقيين وحكمتهم وحرصهم الوحدوي ، حتىٰ كان في الجنوب زلزال لأهتزازاتهِ السياسية أثر كبير في رسم ملامح القادم السياسي في المنطقة ، ألا وهي الأحداث الدراماتيكية في المملكة العربية السعودية ، بدلائل تَشي جُلها أنها تمت بوحي خارجي ( بأمارة تغريدة البلبل الأمريكي) بُعيده ، في سلسلة من الأحداث أشبهُ ما تكون بالخرز يتبع بعضه بعضًا في جبهات تبدو متباعدة لكنها متناغمة أيما تناغم ، الأمر الذي يبشر أن وراء الأكمة ما وراءها ،
– فتمثلت في اعتقالات واسعة في المملكة تطال رموز سياسية واقتصادية من العائلة المالكة بحجة محاربة الفساد واستقصاء جذوره ،
– صاروخ باليستي يسقط شمالي الرياض، يتهم فيه الحوثيون في حين لا يستبعد آخرون أنهُ بنيران صديقة ،
– استدعاء الحريري وإرغامه “في الغالب ” على تقديم استقالة يراها البعض أنها مُذلة ،

وهنا أذا ما أردنا أن نفهم الموقف العملي الذي يجب أن يوظفهُ العراق لصالحهِ، ولا يذهب بهِ الى اصطفاف يجره إلى أحد محاور الصراع في استنزاف لقدراتهِ وطاقاتهِ في سبيل مصالح الآخرين ،لا بد من وضع تصورات لما يجري من أحداث ودوافع من ورائها وما سيئول اليهِ هذا الحراك المتسارع الخطوات وهو في تحديد جملة من السيناريوهات منها :

السيناريو الأول : عندَ التمعن نَجد أن محمد بن سلمان وزير الدفاع الاصغر في العالم ، وولي العهد ذو الصلاحيات اللا محدودة هو المحور المركزي لهذه الأحداث ، وهذا يُنتجُ تسائلاً هاماً : ما هو الدافع وراء ما يجري في المنطقة ؟ ،
من الواضح ان ما أثار الرياض بالخصوص هو انتصار التحالف الإيراني مع النظام السوري مع روسيا والذي أتاح بقاء بشار الأسد في السلطة والذي كانت السعودية تدفع بأتجاه التخلص منه، ثم سقوط داعش العدو المشترك للجميع بحسبِ الظاهر أو لِنقل مؤخراً، واندحار معظم الجماعات المعارضة لبشار الأسد والتي كانت تحضى بدعم من السعودية ،
وهذا يعني لحد الآن تأمين منطقة نفوذ سياسية واقتصادية وعسكرية لإيران تمتد إلى شواطئ البحر المتوسط ، وهذا أمر مربك ومرعب للسعودية ، فارتأت ضرب هذا النفوذ من خاصرته الأضعف بالنسبة للسعودية (لبنان) من خلال ارباك المشهد اللبناني ونزع الشرعية عن الحكومة أو عن كثير من قراراتها،، وبالتي شعور حزب الله بعدم مواءَمة المناخ السياسي ، مما يضطرها للتخلي عن الكثير من القرارات التي ترغب إيران في تمريرها، هذا في الأحتمال الأضعف ،
السيناريو الثاني: العمل على خلق فوضى قد تؤدي إلى اشتباكات في الداخل اللبناني ، والضغط على حزب الله المنشغل بمعالجة جبهات عدة فتؤدي إلى إرهاقه وإرهاق إيران ، ما يدفعه إلى تقديم تنازلات عديدة ،
السيناريو الثالث : وهو الأهم متمثلاً في جر لبنان إلى صراع مسلح يوفر فرصة لإسرائيل لتسريع خُططها المعدة سلفًا لضرب حزب الله،
هذا جزء من ملامح المشهد السياسي وظلاله، والمهم هو موقفنا كعراقيين في الوقت الحاضر، فهل سينجح العراق بالناي عن بؤرة الازمة والخروج منها ، وتجنب المزيد من الخسائر إن لم يخرج مستفيدًا من كل ما يدور من حوله؟! ،
ولنَعدْ سنوات قليلة إلى الوراء لإنعاش الذاكرة الوطنية المزمهرة ،
ففي الذاكرة أن سوريا التي كانت معقلا لتصدير الارهاب ضد العراق ، بل أنها كانت الخنجر الأكثر إيلامًا بالعراقيين بحكم قربها الجغرافي وإيواءها لأعداد كبيرة من البعثيين (الحربيين) ، ووجود أكبر مركز لتدريب الإرهابيين ضد العراق واحتضانها للمنابر الإعلامية التي تصفق وتهلل لقتل العراقيين بحجة الجهاد الشريف ،
أما قطر الراعية الاقتصادية والإعلامية لداعش فهي أشدُ وقعاً ولا يخفىٰ دورها في الضرر بالعراق وشعبهِ ، وملفها مع العراق لا تُمحىٰ فداحتهُ مهما جهدت في دفنه المعاول الإقليمية ،
هاتان الدولتان الحاضنتان للأرهاب الذي عصف في المنطقة ، قد أصبحتا حليفتا ولنقل لا أقلها غير رافضتا ولو على نحو نسبي لهدا المحور الروسي الإيراني ، ذلك المحور الذي يَصف أمريكا بـ (الشيطان الأكبر) كما في أدبيات الثورة الإسلامية ،
أما المحور الأمريكي فهو صاحب الدور المؤذي والمُكرس لعديد المشكلات العراقية ولا تخفى تفاصيله على أي متتبع ،
ومن دواعي الحكمة أن لا نجازف بالمراهنة على أحد المحاور مهما كانت نقاط اشتراكنا معه راجحة ومُحفزة لطرف ما على الآخر على أساس القرب الإيديولوجي أو داع آخر، المهم هو مراعاة المصلحة الوطنية العليا والنظر بعين عراقية خالصة من دون أستعارة لعين أخرى شرقية كانت ام غربية للنظر البديل ، كما أن مقتضى تَبني “الدولة المدنية ” لا ينسجم مع الانصهار في محاور لا تمثل الأرادة العراقية الخالصة وهذا التوجه المدني ، لأن أي محور مهما كان ، أذا لم ينطلق من البيت العراقي ويمثل مصالحهُ بالدرجة الأولى ، فهو خالي من الوطنية والأنتماء ويُعدُ أصطفافاً لا مُبرر له ،
قد تبدو هذه الصراحة جارحة ومستهجنة لشرائح واسعة و للكثيرين ، لكن الموضوعية هي التي تقتضي ذلك بعيدًا عن شعارات الاستهلاك المذهبي والطائفي والقومي ، إن بوصلة المرحلة تشير إلى انتقال الصراع من العراق إلى بلدان أخرى وقد أدركت عواصم تصدير الأزمات ذلك الأمر الذي لا يروق لهم ، ولا يمكن التسليم به من قبل أي محور من المحاور التي كانت تنمو وتتضخم على نتائج الصراع الإقليمي والدولي داخل العراق ،
إذن فإمكانية إرجاع المعادلة وبؤرة الصراع إلى المربع العراقي وارد جدًا خصوصًا في ظل غياب اداء دبلوماسي حقيقي فاعل ، ولكي نتحول من الاداء المنفعل بالمحاور إلى الأداء الفاعل ، عَلينا ترتيب أوراقنا على غرار التجربة العمانية والكويتية ، مع أن العراق يمتلك من الأرواق ما يفوق هذه البلدان الصغيرة بكثير جدًا وإمكانية استقلال قراره السياسي أكبر بحكم حجمه وإمكاناته البشرية والسياسية وثقله على الصعيد الرمزي والتاريخي وتعدد الخيارات بالنسبة إليه ، وإن كانت الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للعلمية السياسية في العراق ، إلا أن هذا لا يمنع وجود إرادة محلية لا تستطيع أمريكا أن تُغامر بدفنها ، تجنبا لردود أفعال قد تحرق الكثير من أوراقها في العراق وهذا مجرب تأريخيًا في تعامل العراق مع الدول العظمى بدليل موقف بريطانيا الذي وقف متأملا أمام مشروع انفصال كردستان العراق ، وهذا يعكس إرادة وطنية متنامية وجدية مدعومة بقوافل من الدماء والتضحيات أمام تراجع التأثيرات الدولية والإقليمية ولو بنحو نسبي مشجع إلى حد ما قد يرفع الأمل في تغليب إرادة هذا الشعب المغمورة وإن كان هذا يتطلب وقتًا وجهدًا ليس بالقليل ، ويبقى الأمل بالله تعالى والشعب العراقي الغيور المضحي أن نتجاوز هذه المراحل التي تقترب كثيرًا من الانفراج السياسي والاقتصادي وعودة العراق إلى مكانه اللائق به في ظل “دولة مدنية ” عصرية عادلة تكون مرتكزًا وإنموذجًا إقليمًا ودوليًا ناصعاً ….